كتاب جبال النوبة شعب وتاريخ وحضارة

02-01-2013

مواقع هامة في تاريخ وثقافة شعب جبال النوبة ::    الثقافي والتاريخ العرقي في جبال النوبة ويعرضه بشيء من الصدقية غير معهودة بين حزمة من كتابات عن المنطقة في الآونة الأخيرة" وهو بذلك وثيقة تعريفية مهمة. قدم للكتاب وصدر له عالم الهندسة الزراعية ومدير جامعة الدلنج بروفيسور خميس كتشو كندة، يقع الكتاب في 212 صفحة وأربعة فصول وتسعة عشر مبحثاً وهذه قراءة سريعة لفصوله الفصل الأول (الطبيعة والسكان) وخصصه للحديث عن قبائل النوبة والبقارة والفلاتة والشوابنة. الفصل الثاني (رواد الدعوة الإسلامية) وخصصه للحديث عن مملكة تقلي والشيخ محمد الأمين القرشي والشيخ محمد عبد الله البرناوي ثم عادات وتقاليد ثم قبيلة طروجي، الفصل الثالث (إعلام ومعالم) وتحدث عن الفكي علي الميراوي والمدينة الفاضلة (رشاد) ومنارة الجبال (جامعة الدلنج) العصارة، أشجار وثمار. الفصل الرابع والأخير (تراث جبال النوبة) تحدث فيه عن العمارة الشعبية، الزي والزينة، الرياضة الشعبية، الرقص، التقنيات، الرواية الشعبية، لقد استرعت انتباهي اربعة مواضيع في الاربعة فصول لتكون مجال تناولي وتعليقي ونظراتي وهي قبيلة الشوابنة في الفصل الأول وقبيلة طروجي في الفصل الثاني والفكي علي الميراوي في الفصل الثالث والرقص في الفصل الرابع وأشياء اشتات من هنا وهناك.


* الغلاف وصور التراث

صمم الغلاف من ورق صقيل اسود ناعم الملمس يعرض الأمامي منه بالألوان احتفالات موسم الحصاد (سبراللوبيا) أو (كونيغار) كما يحلو للاما (النيمانغ) نعته هذا الاحتفال ذاخر بصور التراث وهو الأكبر على مستوى جبال النوبة يقام سنوياً في شهر اكتوبر بميدان (قونجا) الذي اخذ اسمه من جبل يطل عليه شرق قرية النتل غرب مدينة دلنج وهناك صورة محورية للغلاف لمصارعين اثنين يتوسطان الميدان في حالة تلاحم عنيف والآف القلوب مشدودة اليهما وفتاة راقصة بجانبهما ترقص رقصة (التار) لزوم التحدي والتحمية، الصورة تعبر كذلك عن فترة عصيبة من تاريخ المنطقة حيث يتأبط غالبية الحضور سلاح الكلاشنكوف اعراباً عن جاهزيتهم للتعامل مع اي مفاجآت ورغم ذلك يحتفلون ويفرحون ويرقصون وفي الغلاف ايضا اربع صور اطارية لنماذج من الحياة التراثية والطبيعية في جبال النوبة رجلان باسلحتها التقليدية ومنظر خلاب لبحيرة محلية وقطية عتيقة بيت النوبة التقليدي وصورة رابعة لراقص (الكمبلا) وقد اعتلياه قرنا ثور وهو يدير نفسه بخفة ورشاقة مصدراً ذاك الكرير مجسداً صوت الثورة الهائج، رقصة الكمبلا التي ملأت الافاق يفرد لها الكاتب بحثاًُ تعريفياً في متن الكتاب ولم ينس ان يضع لها صورة تعبيرية في الغلاف.
 
الغلاف الخلفي يتصدر خمس صور اطارية اعلاها للباحث في كامل هندامه مع نبذة قصيرة عن سيرته الذاتية وصورة لجبل (سنجور) في سلارا وثالثة لسبعة مصارعين بزيهم الميداني وهم يعلنون مشاعر التحدي تلقاء الكاميرا ورابعة لرقصة المردوم يؤديها راقصون وراقصات بانتشاء ظاهر وخامسة لحلقة (مهتاجة) لفتيات يرقصن (الكيرانغ) على خلفية جبل قونجا ذي المدارج الطبيعية المليئة بالرواد والمتفرجين من كل جنس صور خلابة ومعبرة وغلاف رائع وموفق ومتناغم مع اهداف الكتاب من تصميم الفنان خالد ريحان.
 
الشوابنة:
 
تناول الكاتب بالتعريف الفلاتة والشوابنة بصفة خاصة ولعل ذلك لحاجة معرفية صادقة وملحة من واقع تحيز معظم الدراسات السكانية بالمنطقة مستمراً للنوبة والبقارة ومع ذلك فقد اغفل وجود بعض قبائل دارفور وتشاد الوافدة إلى الجبال خلال الخمس الأخير من القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين مثل التاما والبرنو والبرقد والهوسا الذين سعوا جاهدين لايجاد نظارة لهم اثناء تولي اول حاكم لجنوب كردفان وهو مشروع رغم الدعم السياسي القوي الذي سنده فقد اصطدم بواقع عدم وجود حواكير خاصة بهذه المجموعات معترف بها في جبال النوبة. ان من اكثر ما اعجبني في هذا الكتاب الاهتمام بالتاريخ العرقي والاجتماعي للشوابنة ويسرد الكاتب تعريفا لهم فيقول (ان اثنتي عشرة قبيلة وافدة من شمال كردفان هي التي شكلت مجموعة الشوابنة وذلك في العهد التركي وقال انها عربية) غير ان كثيراً من الناس يستطيعون ان يدعوا ان بعض هذه القبائل على الاقل ليست عربية الاصل فضلا عن وجود اخلاط من البشر قبل الحكم التركي في منطقة الشوابنة بقرون عديدة بالاضافة للجماعات الوافدة بامر من سلاطين الفونج بغرض التنقيب عن الذهب وهناك جماعات اخرى وفدت بامر من ملوك تقلي لذات الغرض لانها تتبع ادراياً لمملكة تقلي وجماعات اخرى نوبية وفدت من جبل الداير وبراري كردفان الوسطى عقب اشتداد حملات الرقيق في العهد التركي فشيبون المنطقة ظلت مشهورة على نطاق السودان كمنطقة خاصة بسبب الذهب الذي ينقب فيها فوجدت الذهب والرجال جر مآسي كثيرة على المنطقة منها هجوم الديك التركي الذي اجلى نحو المائتي الف نفس من جبال النوبة وحدها، لم يوضح الكاتب القبائل التي اختلطت بها هذه المجموعات الوافدة من شمال كردفان وقد افاد بان اصحاب الارض الاصليون قد تركوها بقدومهم وهي مهمة من جهة ضبط التاريخ العرقي والاجتماعي للشوابنة الذين تخلوا واقعياً عن انتماءاتهم السابقة وانتموا إلى الجبل وهي عادة للنوبة الجباليين في الانتماء وتظل الحقيقة مع ذلك مفقودة فبين قول الكاتب (لم تكن منطقة شيبون خالية من السكان آنذاك ولكنهم توغلوا جنوباً إلى اعماق الجبال عند وصول هذه المجموعات الوافدة) وهذه دلالة على خلو المكان عند وصولهم وقوله (ثم حدث الاختلاط والمصاهرة مع قبائل النوبة الذين وجدوهم بالمنطقة) وهي دلالة على وجود نوبة اختلطوا بهم وذلك يبرر نوبية وزنوجية المظهر الفيزيقي عند الشوابنة اللتان تفوقوا بهما على بعض النوبة" هذا التخبط اضاع الحقيقة الكاملة فهل وجد اسلاف الشوابنة اصولاً نوبية او غير نوبية ممن سبقوهم واختلطوا بها ام لا؟ خاصة اذا عرفنا انها منطقة تتبع تاريخياً إلى قبيلة الشواية النوبية وشيبون اسم الجبل الذي سميي على الملكة شيبون التي كانت تملكهم ويستطيع الباحث أن يعيد الكثير من عادات وتقاليد الشوابنة إلى الاصلين العربي والنوبي معاً فمن العادات ذات الأصل العربي حسب دراسة الباحث وجود الحكامة في المجتمع والضرا والخلوة وهي مستعارة من البقارة وكذلك اصوات الكرير (الطنبرة) في اغانيهم باللغة العربية (لا نستطيع ان نجزم بأصلها العربي فهي منتشرة في اغاني الكيرانغ والكمبلا فضلا عن وجودها في الغناء الاثيوبي) اما العادات النوبية عند الشوابنة فكثيرة مثل ربط عصابة الكفن على الرؤوس حزناً على الميت وغرة السواد على جباه الاطفال وذهاب الرجال إلى المقبرة بعد الاربعين يوم من الوفاة وهي طقوس مسيحية انتقلت مع النوبة ومن ذلك صناعات عصير اللالوب وبعض المصطلحات مثل الكرناكة والقنجة وهي الدمور والكينجيقا وهو اسمهم للفأر، نامينيا، بمعني ملك من؟ وعدم مصافحة الصغار على الكبار في الكف مباشرة كعادة منتشرة عند النوبة الجباليين مسلميهم ومسيحييهم، وثنييهم على السواء. يلعب جانب الام دوراً محورياً في ثقافة الشوابنة ومن ذلك تهريب الطفل الشوابناوي إلى منزل احد اخواله لينام هناك قبل الليلة التي تسبق الختان وهي دلالة على تأثرهم بالخط الأموي القديم السائد عند النوبة ويظل اصل الشوابنة محل سؤال الباحثين والمهتمين بالتاريخ العرقي والاجتماعي مقروءاً مع الواقع العيني المعاش خاصة وان البعض منهم يرفض بامعان اية صلة له بالنوبة.
 
المثقفون
 
لم يكن المتعلمون والمثقفون من أهل الثقافات الوطنية (اغلبهم) بأفضل من غيرهم. وهم مناط التغيير ومعوله في كل أمة، بل ساهموا سلباً في نقل الاحساس بالدونية والانهزام الداخلي الذي اكتسبوه من خلال مقررات التعليم الى غيرهم. وهم القدوة في مجتمعاتهم، فباتوا جميعاً يتوارون خجلاً من التواصل والاتصال من خلال لغاتهم كنتيجة حتمية لمثل تخبطنا اللغوي المتهم بالتحيز ضد الحضارة السودانية العريقة فقط من معايير فكرية هابطة موتورة. ولا نجد لهذه السياسة اصلاً تشريعاً ولو وجد لكان خطأ فادحاً نقترفه، بل على العكس من ذلك فقد نادت معاهدات العديد من المؤتمرات محلية وعالمية بالاعتراف بالتنوع الثقافي والسلالي واللغوي، اهمها توصيات المؤتمر الوطني من أجل قضايا السلام 1989م. وميثاق اهل السودان كما سبقت الاشارة. وخط ذلك في الدستور الوطني وصيغ في قانون الحكم المحلي، فضلاً عن التشريع الدولي لحقوق الانسان الذي يضم ما يربو على المائة وثيقة تتنوع الى اعلانات وعهود ومواثيق ضمن (الحق في التمتع بالثقافة) واتفاقيات جنيف الاربع والبروتكولان الملحقان بالاتفاقية الاخيرة لعام 1949م. وآخر هذه الحقوق البيان الاسلامي العالمي لحقوق الانسان 1981م الذي ينص على أن حقوق الانسان حقوق ابدية ليس لبشر الحق في تعطيلها او التعدي عليها. ولا تسقط حصانتها لا بارادة فرد تنازلاً عنها أو بارادة المجتمع. ولا تقبل الحذف والتعديل أو النسخ. وان الناس سواسية لا امتياز ولا تمييز بين فرد وفرد على أساس من أصل أو عنصر ولا جنس أو لون أو لغة).
 


ان اهم حق يتشبث به أهل جبال النوبة الآن، هو حقوق المنتمين للسكان الاصليين. وهى اتفاقيات واعلانات ومواثيق اعترفت بها دولة السودان العضو في المنظمة الدولية. وأعلنت الالتزام بها فوق الاربعين عاماً، فأين الخطأ؟
 


تبادل الأدوار:
 


صحيح ان الاستعمار قد هدف من خلال السياسة اللغوية التي اتبعها في جبال النوبة الى صياغة النوبة وفقاً للعقلية الغربية او التغريب، فأغلق المنطقة لما يناهز العقدين من الزمان بقصد عزلها عن محيطها. وعندما فشل سلمها لمخططات المركز الانغلاقية دون مشورة احد، لقد نظر الاستعمار لارث النوبة التليد بدونية ملحوظة. وهو ما عناه (بخلق) هوية للنوبة من خلال مناهج التعليم بمعنى حقن الثقافة المحلية برؤى غربية محكمة بالعقيدة المسيحية ومؤسساتها، على افتراض ان هذه الهوية غير موجودة في الواقع، أو هى في أحسن الحالات في حاجة الى بلورة وصياغة، غير أن الاستعمار ورغم مساوئه قد اعترف على الأقل بقدر ما من الخصوصية والشرعية للهوية المحلية لشعب النوبة كأساس تنهض عليه الشخصية الغالبة لانسان المنطقة، اما الحكم الوطني واحزابه الرائدة فقد تعامل مع النوبة بصورة استبدادية اكثر سوءاً، اذ لم يعترف لهم بأية خصوصية. واعتبرهم عرباً اقحاحاً. واتبعهم تلقائياً الى هوية السودان الأوسط الذي يستبد به المزاج العربي الاقصائي المتجبر، هذا الهوى الانكاري المتآمر الذي جر المنطقة فيما بعد الى رفع العقيرة المطالبية. واتبعها بالسلاح في وجه الحكومات المختلفة فوق السبعة عشر عاماً، بمثلما اعلنت العصيان المسلح بوجه الاستعمار الاجنبي فوق الاربعين عاماً. وكان هذا يكفي دليلاً لأولى الالباب على عمق وصدقية واصالة هذه القضية، فإن يدافع النوبة عن حريتهم وخصوصيتهم بحرب لأكثر من ستين عاماً خلال قرن واحد. وبلغوا بها المنابر الدولية الآن لا يدل على جزافية في التفكير والتدبير او جنوح عبثي نحو العنف دون مبررات، ان كان هناك من يخضع مثل هذه الأمور لمقاييس الموضوعية في العقلية المركزية.
 


وصحيح كذلك ان الاستعمار حاول ابعاد المنطقة عن مؤثرات الثقافة العربية والاسلامية، حينما رأى في التغريب طريقة مثلى وهوية انموذجاً لتمثلها، غير ان الحكومات الوطنية ايضاً قد فرضت الاستغراب والهوية العربية ومزاجها الاستئصالي على النوبة بقصد نمذجتهم كذلك، في حين قدمت مثالاً شائها للحكم الاسلامي يتنكب سبل الاعلام والشعارات. ولا يساوى بعد حتى بين المسلمين. ولا يعترف بأية خصوصية عرقية أو ثقافية أو لغوية.
 

 


إستندت تلك المقاومة إلى تراث عريق، أبرز رموزه السياسية مملكة (تقلي) الإسلاميَّة، التي ازدهرت لقرنين من الزّمان.
 
كما استندت إلى تراث الإيواء والنّصرة، التي ظللّت بها الجبال الثورة الوطنية المهديّة، والعطاء غير المحدود الذي قدّمه المك آدم أم دبالو.
 
لولا جبال النوبة، لما انتصرت الثورة المهدية ، ولما حررت البلاد من الحكم الأجنبي.
 
كما استندت ثورة الجبال ضد الإنجليز، إلى الاستشهاد المجيد للمك الثائر المك عجبنا، الذي وشى به احد عناصر التجمع الوطني في القرن التاسع عشر، وقبض ألف جنيه نقداً ليدلّ على مكانه.
 
إعتقلت الإدارة البريطانية المك عجبنا، وأصدرت عليه حكماً بالإعدام وشنقته.
 
جاءت حقيقة تلك الرشوة الفاجعة، في وثائق الإدارة البريطانية في السودان.
 
فقد السودان بطلا من أبطاله، بسبب مبلغ ألف جنيه، قبضها أحد عناصر التجمع الوطني!.
 
وقد تحصَّنت جيوش الإمام المهدى في جبال النوبة، في جبل قدير ، وكتبت أكبر انتصاراتها ، وأكبر انطلاقاتها لحصار الأبيض المدينة التجارية الأولى في السودان حينئذٍ.
 
من بعد الحصار تمّ تحرير الأبيض ، وأعقبه التحرك إلى الخرطوم. حيث دخلها الإمام الثائر في جيش يبلغ (120) ألف مقاتل، ليحرَّر السودان، ويُعلن الخرطوم عاصمة للشريعة.

من واقع حقيقة أن جبال النوبة، كانت القاعدة العسكرية التي تحصن فيها ثمّ انطلق منها الإمام المهدي، من تلك القاعدة النضالية الصلبة، انطلقت مقاومة جبال النوبة للحكم الأجنبي الغازيّ.
 
بعد سقوط أم درمان اشتعلت جبال النوبة بالثورة ضد الإنجليز.
 
فاشتعلت الثورة في جبال (براني) مركز تلودي عامي 1908م و1917م ، وفي (رقيّق) عامي 1910م و1911م.
 
وفي (هيبان) عام 1911م، وفي (توقوي) عام 1910م وفي (الطير الأخضر) عامي 1914 و1915م.
 
وتفجرت براكين ثورة جبال النوبة ضد حكم الإدارة البريطانية في مركز (كادوقلي) في مناطق (الداير) عام 1904م، وفي (الليري) عام 1906م ، وفي (نيانج نيانج) عام 1906م ، وفي (كيلة كرون) عام 1910م ، وفي (شط الصافية) عام 1914م، وفي (ميري) عام 1915م.

وانتشرت ثورة جبال النوبة ضد الإدارة الأجنبية في مركز الدلنج في مناطق (مندال) عامي 1914م و1919م ، وفي (كاندرو) عام 1906م ، وفي (فاندو) عام 1908م، وفي (كيلاكيدو) عامي 1908م و1909م ، وفي (تيمة) عامى 1909م و1910م، وفي (سيبي) عام 1914م ، وفي (ذلمار) عام 1914م.
 
وظل النيمانج في ثورة دائمة ضد الحكم الأجنبيّ من 1908 ــ 1918م.
 
وسحقت الادارة البريطانية الاجنبية ثورات النوبة سحقاً دامياً واستشهد الآلاف.
 
ولم تتمكّن الإدارة البريطانية الأجنبية من السيطرة النهائية على جبال النوبة، إلا في عام 1929. حيث قمعت المعارضة الثائرة بشراسة في (الليري). وذلك بعد ثلاثة أعوام من سيطرتها على ثورة جنوب السودان، عام 1926م بسحق قبيلة (التبوسا ) الثائرة.
 
عاقبت الإداره البريطانية جبال النوبة التي ثارت ضدّها لواحد وثلاثين عاماً متَّصلة، بوضعها في تهميش تام ومحكم، وفقاً لقانون المناطق المقفولة، الذي استنته الإدارة البريطانية عقاباً للثائرين في جبال النوبة، وجنوب السودان، وجنوب النيل الازرق.
 
تلك هي القصة الحقيقية، لما يسمّى في أدبيات اليوم بالمناطق المهمشة.
 
يجب ألا يغيب عن الذاكرة من همَّشهم ولماذا؟
 
وذلك حتىّ لا تتوارى صورة المجرمين الذين خططوا ونفذوا تهميش جبال النوبة، عقاباً لها على ثورتها ، لتصبح متحفاً بشرياً من العصور الحجرية.
 
ويذهب ارتباط جبال النوبة الثقافي إلى مدى أعمق ، عندما نري أن لغة (النيمانج) في الدلنج، تتطابق بنسبة 70% مع لغة الدناقلة والكنوز " أهل الإمام المهدي ".
 
عند تحقيق الاستقلال ، كان من المفترض وطنياً وسياسياً، إبراز حقيقة أن حركة استقلال السودان ومقاومة الاجنبيّ، شارك في صنعها كلّ أبناء السودان، وليس فصيلاً واحداً فحسب هو مؤتمر الخريجين. وكان على الدراسات والأبحاث الجامعية ، وغيرها، أن تكشف عن ذلك النضال الوطنيّ المهمل.
 
كان على الأحزاب السياسية الفاشلة والنُخبة المثقفة وأنظمة الحكم البائدة، أن تصنع ذاكرة وطنية حيّة، بدلاً من الوقوع في مأزق ممارسة السياسة بذاكرة قصيرة ، أو ممارستها بدون ذاكرة ، أو بدون تجديد للوعي الوطنيّ.

 
تداعت تلك الأفكار وطائرة سودانير (الفوكرز) تهبط على مطار كادوقلي الدّولي، صباح الثلاثاء 7/ يوليو، والفريق سلفاكير يحيي في لفتة ممِّيزة نضالات جبال النوبة منذ الثورة المهدية، وذلك في أول زيارة له لولاية شمالية.
 
الآثار السياسية والاجتماعية للتنكر للغاتنا الوطنية
 
لا يُماري في أوضاع المجتمع السوداني كمجتمع معقد ومتباين في تكويناته وثقافته واعراقه وقيمه ومعاييره الا مكابر أو متعصب موتور. وهذا لا ينفي وجود ثقافة سائدة ومسيطرة وغالبة. وبالمقابل لايسوغ ذلك التنكر لهذا التنوع وان صار اصحاب هذه الثقافات الاصلية اتباعاً لثقافات فرعية ومضادة، بدلاً من كونهم أصحاب ثقافة غالبة في الماضي القريب. وهم مهما صنفوهم يتمثلون معايير ثقافاتهم فرضاً الامر الذي قد يظهرهم كمتمردين على الثقافة العامة السائدة، غير ان نظرة موضوعية فاحصة حيال قيمهم ومعاييرهم تلك، يتضح ان ذلك الامتثال للمعايير المحلية لا يكفي لتحديد السلوك الواجب اتباعه وحسب. وانما يرسم لهم كذلك اهداف الحياة ذاتها. وقد تتطور مقاومة ومحاربة أو عدم قبول انسانها (كما الحال في السودان) من خلال معاييره تلك الا كانحراف سلوكي الذي يفضي للتعبير عن المقاومة بوسائل قد تكون عنيفة. وذلك ما تمثله حرب الجبال كأصدق تعبير عن الوجه الثقافي والحضاري لمسألة جبال النوبة.
 


لقد غاب على أصحاب الثقافة السائدة والمنافحين عنها ان التعبير عن التشبث الثقافي والمدافعة عنه باستخدام العنف المادي، لا ينطوي على عبثية كما يصوره البعض بل هى رغائب حقيقية طامحة باتجاه التمسك بالهوية الثقافية والقومية. والسعى للرفض بقوة عن التنازل عنها أو المماهاة فيها، ليس لانها من أس الحق الانساني العام. ولكن وبالاضافة الى ذلك لانها جعل الله الذي ينبغي ان لايقاوم أو يحارب.
 


ان النتيجة الحتمية لاستمرار سياسة تجاهل هذا التنوع واوعيته الثقافية والتنكر صراحة للغاتنا الوطنية، هى انتهاؤها الى الانقراض ان كان هناك من يسعى - وهناك من يسعى- وتبنى ذلك غير ان الامر الذي لا نشك فيه البتة ان مثل هذا الاتجاه سيولد كراهية متزايدة للغة العربية كلغة مسيطرة وتكريسها كلغة قاهرة تفرض بقوة القانون تحت حمايته لا بعناصر الحوار والصلاح، بمظاهر السلطة السياسية وبقوة فعلية محتكرة لادوات القمع والاكراه ومن خلال آليات الدولة وليس بالقبول والتراضي والاتفاق.
 


ومن نافلة القول انه ليس هناك عاقل يعارض وجود لغة قومية تتواصل من خلالها القوميات المختلفة في كل المجتمعات المشابهة، اذ ذاك ضرورة منطقية وملحة وليس هناك من يكابر- حتى الآن- في أن تكون هذه اللغة هى العربية، رغم ان البعض قد أفلح في تقديمها كلغة عرقية وغير محايدة لا تعبر عن كل الانتماءات، بل تنفي الهويات غير العربية، بيد أن المشكل ان تكون هى الوسيلة الوحيدة المعترف بها رسمياً للتواصل والتعبير عن هذا الكم الهائل من اشكال التنوع. وبذلك جعلوا الثقافة العربية ثقافة عدوانية واستئصالية لا تتقبل الآخر، مع الاستمرار في الاساءة للغاتنا الوطنية بطرائق شتى. ومن ذلك رميها بالبربرة والبدائية. وانها بالكاد ليست غير لهجات أو لغات خالية من المعنى وغير المفهومة والغريبة الاجنبية التي لا طائل وراء التمسك بها، لأن مآلها الانقراض ان عاجلاً أو أجلاً! وحصبها الرأى العام الذي كونته الثقافة العربية بالتوحش (رطانة) والغموض والانكماش والتغلف وفق مرايا السياسة الرسمية في العهد السيادي، في حين أن كل تلك الاساءات لا تدل ولا تعبر عن حقيقة موضوعية واحدة وبلا شواهد صدق عليها. وقد عرف القاصي والداني انها قد ساهمت بفعالية في الماضي القريب في اثارة حضارة معجزة حيرت العلم الحديث وتحدته في كشف وتفسير اسرارها ومتروكاتها حتى الآن! فلا يمكن لمنصف أن يصف اللغة المروية وهى لغة علم وحضارة منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة. وفي منطقة لها تاريخ لغوي عريق ورفيع بأنها لغة متخلفة. ونحن الى يومنا هذا ما نزال مشدوهين امام انجازاتها. ولا اللغة النوبية وهى لغة بلاط وترجمات وعلم وعبادة فقط قبل خمسة قرون من الآن. ولكننا نفعل بها الأفاعيل كراهية فيها وفي من يتلهجون بها مقابل فصاحة وبيان العربية. وليس من نتائج مقارنة موضوعية ولكن من التزام ايديولوجي منغلق. وربما تلمس اعداء اللغات الوطنية لفهمهم هذا غير الوطني دفوعاً واسانيد. واستدعوا ما عنَّ لهم من تفاسير فجة للكتاب والسنة يبررون بها استعلاءهم الذي تعتذر عنه القيادة الآن دون القاعدة. وفضلهم المدعي وهم في الواقع يفسدون خلائق الله بالتغيير والتزوير والادعاء. ويبذلون عناصر الاختلاف في حين تتجافى اعينهم وافهاهم عن التذكرة التي يوردها الله في كتابه العظيم عن أوضاع المستعلين يوم الدين، قال الحق تعالى: «هذه الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الارض ولا فساداً والعاقبة للمتقين» (82/القصص) ولتجدن ما بين هؤلاء من يدعي الالتزام بمنهج الاسلام فهماً وتطبيقاً ولاءاً وبراً. وهم يتجاهلون ان الله تعالى لم يحسن بعض الخلق ويهمل البعض الآخر، ليعطي الذريعة لكل متذرع لتكملة النقص المتوهم، فهو القائل: «الذي احسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الانسان من طين» /الرعد، اليست اللغات من خلائق الله؟ اليست كلها ذات فصاحة وبيان بحكم الخلق؟ نعم الانسان أي انسان فصيح بحكم الاصل والخلق وليس بحكم نوع الثقافة أو اللغة التي يحملها أو يعبر بها قال الحق: «الرحمن خلق الانسان علمه البيان» 1-3/ الرحمن. وقال تعالى على لسان موسى عليه السلام: «وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فارسله معي ردءا يصدقني اني اخاف ان يكذبون» 24/القصص. وهارون وموسى عليهما السلام ما كانا يتحدثان العربية، فضلاً عن الآلاف من الانبياء والرسل قد امرهم المولى ان تكون لغة البلاغ الفصاحة والبيان، فكيف توقف هاتان الصفتان للعربية حدها! اذن كل اللغات عند الله ذات فصاحة وبيان، غير ان البعض يجتزي الاسلام ويتخذه عضين عقيدة واحكام وشريعة وعبادات، يأخذون ببعضه ويطرحون ما لا يوافق اهواءهم وهو كل متماسك؟
 


ولكننا نرى كيف ان التلهيج بهذه اللغات من باب التناجي بالإثم والعدوان وعلامة على التخلف وسبه تخزي جبين المتلهج بها وجريمة يعاقب عليها التلميذ في مناطق التداخل اللغوي في الاقاليم اللغوية المختلفة والمدن والحواضر، في حين ان ذلك من باب اظهار آيات الله ونعمه.
 


وهكذا ادخل في روع الطفل والبالغ على حد سواء أن لغة قومه لغة منبوذة. ولأمور تتعلق بنظريات التنشئة الاجتماعية ترسخ في ذهنية الدارسين لتلك المناهج الصفراء وترسب في دخيلة الكبار على مدى طويل، الشعور بالكراهية والنفور تجاه لغاتهم. وانتهى بهم الى احتقارها، فصاروا اعداء هوياتهم الأصلية ولغاتهم وانتماءاتهم في أول خطوة نحو الاستلاب الذي يسمونه تلطفاً (اعادة الصياغة). وانتهى بهم الانحدار وفقدان التوازن الى ادعاء النسب العربي ليس بين المجموعات المهاجرة الى السودان من الغرب والشرق، بل في مجموعات لا يعرف لها تاريخ غير السودان ومايزال الاصيل منهم لا يعرف عن العربية شيئا!
 


وهكذا نجح اعداء الثقافات واللغات الوطنية في توظيف العنف التعسفي وانحراف الخطاب الثقافي والاعلامي القومي المقنن. وغيرها من مناهج التربية والتعليم في نقل مجموعات اصيلة الى ظاهرة اللامنتمى أو الالينية، فبئس الصياغة وبئس من آثار!
 

 
أصل النوبة
 
كلمة أو لفظة نوبة يقصد بها القبائل التي تسكن منطقة الجبال بولاية جنوب وغرب كردفان بالسودان بين خطوط طول 28 ـ 32.5 شرقاً وخطوط العرض 10 ـ 12.5 شمالاً في مساحة خمسين ألف ميل تعادل مساحة اسكتلندا وكانت تعرف بمديرية جبال النوبة في الفترة من 1906 ـ 1934م وكانت عاصمتها تلودي . وهي مجموعة قبائل تتحدث لهجات مختلفة رغم مجاورتها لبعضها البعض ولا تفصل بين القبيلة والأخرى سوى ثلاثة عشر ميلاً وهي في مجموعتها تبلغ أكثر من خمسين قبيلة تسكن حوالي 99 جبلاً. تحمل أسماء مختلفة وتشاركها في السكن على السهول والوديان قبائل البقارة الرحل والفلاتة وغيرها .
 
وتختلف الآراء حول أصل النوبة فالبعض يعتقد بأنهم هاجروا في فترات متباعدة من شمال السودان من المنطقة التي تقطنها الآن القبائل النوبية الشمالية مثل المحس والدناقلة والسكوت والحلفاويين وبالطبع يختلف نوبة شمال السودان عن نوبة جبال النوبة من حيث السحنات ولون البشرة واللهجات واللغات إلى حد ما . والغالب أن الهجرات من الشمال إلى جنوب كردفان كان في فترات متباعدة وبسبب الغزوات الأجنبية التي كانت تهدد الممالك النوبية في شمال البلاد وفي عهود غابرة سبقت الفتوحات العربية الإسلامية .
 
هناك كثير من الدلائل والشواهد الأثرية التي تدعم الاعتقاد بهجرة نوبة الجبال من شمال السودان وأيضاً من شمال كردفان إلى الجبال الحصينة ذات الغابات الكثيفة جنوب خط عرض 10 شمالاً . فالمتأمل للأواني الفخارية التي وجدت في الحفريات الأثرية بشمال السودان يلاحظ أنها لا تختلف كثيراً عن الأواني الفخارية المنزلية المستخدمة لدى قبائل جبال النوبة حتى وقت قريب من هذا العصر بل وفي بعض المناطق حتى الآن .
 
ليس هذا فحسب ولكن من المفارقات النادرة أنه رغم اختلاف لون البشرة بين نوبة الشمال ونوبة الجبال إلا أن الباحثين اكتشفوا التشابه الشديد في بعض لهجات بعض قبائل نوبة الجبال ونوبة الشمال بل التطابق اللفظي والتحدث بين شخصين أحدهما من قبيلة الكدرو من نوبة الجبال والآخر من نوبة حلفا شمال السودان مع ملاحظة نفس المسميات للأشياء ( الشمس ـ الماء ـ المطر ـ النار ـ الموت ـ الشجر ـ الحصان ـ الحمار ) بل إن أحد أصدقائي وهو من نوبة حلفا شمال السودان ذكر لي أن بعض الأسماء النوبية بالجبال مثل ( سرنوب ) هي نفس الكلمة عندهم بلهجة الحلفاويين ومعناها ( سوار الذهب ) سر تعني سوار ونوب تعني ذهب وهذا يؤكد ما ذهب إليه قدماء اليونان بتسمية أرض النوبة ( بنوباتيا ) وتعني أرض الذهب حيث كانت مناجم الذهب في الصحراء النوبية الشرقية وكانت محط أنظار الغزاة الأجانب من رومان وبطالسة وفراعنة وأتراك فلا غرابة أن كانت أهم دوافع فتح محمد علي باشا للسودان في بداية القرن التاسع عشر من أجل المال والرجال وكان يقصد به الذهب وغيره من الثروات، وعموماً نجد أن قبائل الغلفان والكدرو والتيما والجبال الستة بجبال النوبة الشمالية لها صلات لغوية بالحلفاويين شمال السودان، وقبائل نوبة كاشا بالقرب من أبوزيد يتفقون مع الدناقلة شمال السودان وكلمة البقط التي أطلقت على اتفاقية عبدالله بن السرح مع نوبة شمال السودان نجدها عندهم تنطق ( بقوتي ) وتعني قسمة غير العادلة إذ الكلمة ليست إغريقية كما يذكر المؤرخين بل نوبية الأصل .
 
أما الاختلاف في لون البشرة بين نوبة الجبال ونوبة الشمال فهو راجع إلى اختلاط نوبة الشمال بالشعوب الغازية من رومان مماليك وأتراك وعرب وغرهم . أما غلبة السحنة الزنجية على نوبة الجبال فهي تعود إلى هجرتهم جنوباً واختلاطهم بالقبائل الأفريقية التي كانت تقطن أصلاً في تلك المناطق . ولكن المفارقة الثانية أنه حتى القبائل النوبية بالجبال لا تتحدث مع بعضها البعض إلا عبر اللغة العربية الدارجة المتداولة في كل المنطقة ورغم ذلك نجدهم يشتركون في كثير من العادات والتقاليد والاعتقادات والممارسات الثقافية والاجتماعية وفي أساليب الحياة والتعامل مع البيئة كما سنتعرض إلى ذلك لاحقاً مما يضفي على القبيلة وحدة ثقافية مميزة رغم اختلاف اللغة .
 
والمفارقة أيضاً أننا نجد قبيلة مثل ( كرندي ) في أقصى جنوب شرق كردفان والمتاخمة لمناطق الشلك بمحافظة التونج وهي في تلك البقعة النائية من الجبال تتحدث نفس اللهجة أو اللغة التي تتحدثها قبيلة ( كرنقو ) جنوب كادوقلي والمتاخمة لقبيلة ( المساكين ) ولاشك أن هجرات وحروبات وظروف اقتصادية ومناخية أدت لتشتت بعض هذه القبائل إلى مناطق نائية ومعزولة .
 
كما نجد أن قبيلة ( لفوفا ) التي تقطن سلسلة جبال الليري بالجبال الشرقية للنوبة تتحدث لغة أو لهجة تختلف في تركيباتها اللفظية ودلالاتها عن لهجة قبيلة الليري التي يشاطرونها السكن والمعيشة في نفس جبل الليري والعلاقة بينهم سلمية للغاية ولم يحدث تزاوج بين القبيلتين إلا في أخريات هذا القرن وفي أطر محدودة للغاية .
 
/
أهل القنطور والتبلدية /
 
أما إذا سألت النوبة أنفسهم عن أصلهم فهناك تفسيرات وتأويلات ظريفة يحكونها وتتداولها الأجيال المختلفة جيلاً بعد جيل، فمثلاً حين وجهت هذا السؤال لبعض كبار السن من قبيلة الليري كانت الإجابة أشبه بالأسطورة ولكنهم متفقون جميعاً ومقتنعون بصحتها إلى حد بعيد لا يقبل الجدل فيقولون أن أصل الليري يرجع إلى فرعين التقيا في وادي دلاس غرب جبل الليري . الفرع الأول هم أهل (القنطور) والقنطور نوع من الكتلة الترابية المخروطية التي يصل قطرها أحياناً إلى عشرة أمتار وارتفاعها إلى أربعة أو خمسة أمتار وتنتج بهذا الشكل بفعل حشرة الأرضة التي تتخذه مملكة لها، وتروى القصة أن أهل القنطور هؤلاء قد خرج أسلافهم من قنطور ضخم بوادي دلاس وأقاموا في هذه المنطقة الخصبة يمارسون حياتهم من زراعة ورعي وصيد وغيره حتى شاهدوا ذات يوم شيء ضخم مهيب يحلق في السماء فوقهم عدة مرات وسط دهشتهم وانبهارهم وبعد فترة ليست بالقصيرة من هذا المشهد اقترب هذا الشيء منهم أكثر فأكثر حتى استطاعوا أن يتبينوا حقيقته فما كان إلا شجرة تبلدي ضخمة كثيرة الفروع تتعلق بها مجموعة كبيرة من البشر نساء ورجالاً وأطفالاً وشيوخاً ومعهم أغنامهم ومواشيهم بل حتى كلابهم ودجاجهم اصطحبوها معهم . وحطت الشجرة العملاقة بالقرب من سفح الجبل بوادي دلاس ونزل منها كبراء القوم وتقدموا بالتحية لأهل القنطور وخاطبوهم أنهم طافوا فوق كثير من الديار ولكن لم يجدوا أحسن من هذا المكان الطيب المقدس مكاناً مناسباً ويرجون من أهله السماح لهم بالإقامة معهم ولم يجد هؤلاء الجدد القادمون من السماء إلا الترحيب من سكان الوادي وصارت التسمية حتى اليوم لهؤلاء بأهل القنطور ولأولئك بأهل التبلدية .
 
/
المثلث النوبي /
 •
جبال النوبة هي أحد أضلاع المثلث النوبي وتعود التسمية إلى الدكتور البريطاني ( روبن ثلوال ) أستاذ اللغويات المهتم باللغة النوبية، ويبدأ المثلث من الأقصر وأسوان في مصر وهي الأجزاء الشمالية من المثلث بحكم أنها منطقة غزوات ومعابر لمختلف الشعوب والحضارات فقد ساعد ذلك على اهتزاز اللغة النوبية فيه ولم يبق على أصالة لغوية النوبة إلا الجزء الجنوبي .
 •
الجزء الجنوبي من المثلث وهو جبال النوبة الحالية بكنزها التراثي كما نرى .
 •
الجزء الثالث من المثلث النوبي شرق جبل مرة حيث قبائل كاجا وكتول في منطقة الجبال البحرية بسودري شمال كردفان تنتمي إلى المجموعة النوبية إلا أنها الآن تلاشت لحد كبير وسط الهجرات والتداخل السكاني الذي طرأ على البلاد .
 
ويؤكد الدكتور ثالوال البريطاني أن أهل المثلث النوبي السابق كانوا يتحدثون لغة واحدة ولهم ثقافة واحدة قبل ثلاثة آلاف عام خلت . ولكن ربما تعود الحضارة النوبية إلى سبعة آلاف سنة إلى الوراء وهناك ما يؤكد أن رسومات رقصة الكمبلا المعروفة الآن في جبال النوبة قد وجدت بمقابر الأسرة الرابعة والعشرين من الأسرة الفرعونية المصرية ، وان لي رأي بأن الحضارة الفرعونية في أجزاء ككثيرة منها هي حضارة نوبية تم طمسها وسرقة آثارها في فترات الاستعمار المصري للسودان، وكذلك وجدت رسومات لرجال يمارسون المصارعة بالطريقة التي تمارس بها الآن في جبال النوبة في الآثار الفرعونية.
 
والاهتمام الأوربي بالمنطقة يمتد إلى العصر المسيحي النوبي الزاهر والمشرق في السودان والذي انتهى بسقوط مملكتي علوة والمغرة المسيحيتين شمال السودان في القرن الخامس عشر الميلادي.
 
وهي بداية فترة انحطاط الحضارة السودانية وتأثير العرب سلباً وخصماً عليها لمصلحة حضارات الشمال المتأثرة بحضارات أخرى غير نقية ومتداخلة (تحديداً الحضارة المصرية) المتأثرة بالاستعمار من كل صوب وحدب .... وهؤلاء لا يعترفون بأن مروي هي بيرمنجهام افريقيا التي استخدمت الحديد قبل غيرها من الحضارات .. وأقول هنا ان (بيرمنجهام افريقيا) لم ينصفها المستشرقين ، فكان يجب عليهم من باب الانصاف أن يسموا بيرمنجهام النهضة الحديثة مروي القرن التاسع عشر فمروي سابقة لها في استخدام الحديد بل سابقة لكل الحضارة الحديثة ولك العرب أشد مكراً من المستشرقين فقد زرعوا في السودان بعض المستعربين الذين أنكروا أصل الحضارة السودانية وناصروا المصريين في سرقتهم للحضارة النوبية ولم يوثقوا لأسباب انحطاط الحضارة السودانية لأنهم هم من بدأ بتدميرها لأنهم في ذلك أعداء للحضارة والانسانية....
 
حضارة وادي النيل إنتقلت من النوبة السودانية لمصر:
 

أما صاحب الرأى البروفيسور هيرمان بيل.. فهو صديق تعرفت عليه عندما كان يحضر دراساته العليا فى مطلع الثمانينات بقسم الدراسات الافريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم .. ويتحدث النوبين أحسن مننا جميعا ( كنزى وفديجا ) ..
 
عالم لغويات أميركي: حضارة وادي النيل انتقلت من النوبة السـودانية إلى مصر
 
البروفيسور بيل: فكرة «التوحيد» انتقلت من النوبة إلى أخناتون ملك مصر
 
الخرطوم: «الشرق الأوسط»
ارتبط البروفسور هيرمان بيل عالم اللغويات القديمة، الاميركي ـ البريطاني الاصل، بمنطقة النوبة السودانية (اقصى الشمال) وثقافتها منذ العام 1961 حينما زارها كخبير لغوي لتسجيل اسماء المناطق التي غمرتها مياه السد العالى الذي انشأ في جنوب مصر في تلك الفترة. وقال بيل لـ«الشرق الأوسط» ان منظمة الىونسكو التابعة للامم المتحدة ارسلته هو وزوجته ضمن فرق أخرى لمناطق النوبة السودانية التي غمرتها بحيرة السد العالي، وقد انجز مهمته خلال العام 1962، لكن ارتباطه بالمنطقة وثقافتها لم ينقطع حتى الان. حصل بيل علي درجة الماجستير في اللغة المصرية القديمة التي يرفض ان يسميها باللغة «الهيروغلوفية»، كما حاز على درجة الدكتوراه في اللغة النوبية. وزار بيل الخرطوم خلال ايام عيد الاضحى المبارك وهو يحمل مفاجأة يعتقد أنها ستؤدي الى إعادة قراءة تاريخ أخناتون ملك مصر الشاب الذي دعا الى التوحيد العام 1350 قبل الميلاد. مشيرا الى ان اعتقادا كبيرا يشير الى ان حضارة وادي النيل انتقلت من النوبة السودانية الى مصر كما انه يحاول اثبات ان فكرة التوحيد التي يعتنقها اخناتون جاءت من بلاد النوبة.
 
وهذا نص الحوار:
 
*
ماهي بداية علاقتك بالسودان عموما وبالنوبة ولغتهم على وجه الخصوص؟
 
ـ البداية كانت عندما كلفتني الىونسكو كمتخصص في علم اللغات بتسجل اسماء القرى والاماكن والمعابد في المنطقة الممتدة من حدود شمال السودان وحتى جنوب مصر وحتى قرية سوركي متو في وسط الشمال وقد تمكنا من تسجيل كل اسماء المناطق خلال عامي 1961 ـ 1962 وهي فترة انشاء السد العالي وبدء غمر المياه القري النوبية، ومنذ ذلك الحين لم تنقطع صلتي بالسودان حيث اصبح مركزاً لابحاثي ودراساتي وفي هذا الاطارعملت بالتدريس في معهد الدارسات الافروآسيوية بالخرطوم خلال الفترة من 1973 الى .1979
 
*
ماهي اهمية تسجيل وحفظ الاسماء هذه؟
 
ـ الاسماء مهمة لمعرفة تاريخ المنطقة، فاذا كانت هناك اسماء مروية او بجاوية او مصرية قديمة فانها تدل على الشعوب التي سكنت المنطقة فالاثريون يعتمدون على الاثار لتحديد السكان اما اللغويون فيلجأون الى اللغات التي سادت او حتى الكلمات المتشابهة لاستخلاص العلاقات بين سكان المنطقة وماجاورها وللتدليل على ذلك فقد لاحظنا أخيرا في زيارة علمية لمنطقة السليم شرقي دنقلا عاصمة الولاية الشمالىة قرية بها معبدان احدهما للملك النوبي طهراقا والثاني لأخناتون وتحمل القرية اسم الاخير وهو الملك الفرعوني الذي دعي الى التوحيد ولاحظنا أن المنطقة لازالت تحمل نفس الاسم والمثير أن هذا المعبد هو الوحيد الذي لازال يحتفظ باسم اخناتون وهو مكتوب باللغة المروية اي لغة سكان المنطقة وهذا الاكتشاف الى جانب اكتشاف آخر أقدم قليلا يفتح الباب امام فكرة اعادة قراءة التاريخ والاكتشاف الاقدم الذي اعنيه هو ما وجدته في معبد سادنقا بشمال دنقلا منحوتا في اسم زوجة الفرعون امنتحتب الاول الملكة تي وهي ام اخناتون. والاثاريون يعرفون ذلك.
 
*
ماذا تعني هذه الملاحظات اللغوية؟
 
ـ اسم القرية وهو «جيم آ» (الجيم تنطق كما ينطقها اهل القاهرة) والتي بمرور الزمن اصبحت تسمي كوا أو كوت كما في جنوب الخرطوم تعود الى عهد الملك الفرعوني طهراقا والفارق الزمني بين الاثنين 650 سنة وكان اخناتون هو الاسبق. وهنا يثور سؤال هل فكرة التوحيد بدأت من هنا من هذه المنطقة التي ظلت تحتفظ بالاسم بعد ان دمر مناوئو وتوا اخناتون كل الاثار الدالة على دعوته ام ان هذه المنطقة كانت تشكل اهمية خاصة له.
 
*
ولكن هناك اختلاف بين اسم القرية حالىا وطريقة نطقها سابقا؟
 
ـ نعم فهناك فترة زمنية قدرها 3 الاف عام دخلت خلالها قبائل عديدة للمنطقة وهناك معابد عديدة منذ عهد اخناتون وتوت عنخ آمون في المنطقة. واللغة المصرية القديمة لا تعرف الخاء أو النون وبالتالي فان اسم هذا الملك كما ورد في المصرية القديمة هو «اتا» اما الجيم التي تسبق الاسم فهي اسم المكان وهذه الجيم وجدناها في قصص عديدة بمنطقة مروي تنقلب الى الكاف وعليه فأن قوا هي نفسها كوا وهي نفسها الكوة التي ينطقها السكان في الشمال أو في جنب الخرطوم. أما ما اريد ان اشير الىه فهو ان المنطقة كانت في الغالب مهمة لهذا الفرعون والفرق في النطق طفيف للغاية ونحن دائما نلجا للمقارنات السابقة حتى نصل الى النتيجة.
 
*
هل هذه أول مرة يتم التوصل فيها الى هذا الاكتشاف؟
 
ـ برزت لدى العالم الاثري الالماني كارل هانز في جامعة برلين فكرة واضحة، فهو يرى ان اسم كوه السائد حالىا في السودان يعود الى هذا الملك وأن استمرار الاسم ثم انتقاله الى جنوب الخرطوم يثير الاستغراب ويخلق اسئلة معلقة ربما تتم الاجابة عليها في وقت قريب أو بعيد فأن مثل هذه العلوم دائما بها اسئلة معلقة ولكن اكتشاف كلمة هنا او هناك تفتح المغالىق وتكشف الاسرار. على اي حال كانت هناك علاقة خاصة وشديدة بين آتون والمنطقة
 
*
وماذا بعد؟
 
ـ سنحاول المزيد من البحوث وسنطرح الاسئلة الجديدة اذ ان هناك من يرى ان حضارة وادي النيل اصلها في بلاد النوبة، فاذا كان الامر كذلك فهل فكرة التوحيد انتقلت من النوبة الى اخناتون، يمكن الوصول الاجابة على مثل هذا السؤال عبر الدراسات النوبية وهناك العديد من العلماء الذين يرون ان هناك أسباباً كثيرة لانتقال الحضارة من هنا (النوبة) الى هناك (مصر).
 
*
ما هي العلاقة بين اللغتين النوبية والهيروغليفية؟
 
ـ الهيروغلوفية هي اللغة السرية للمعابد أما العلاقة بين المصرية القديمة والنوبية فيمكن القول انهما تلتقيان فكريا ولا تلتقيان أسريا، فالنوبية من اسرة لغوية مختلفة عن المصرية.
 
*
ما هو حدود انتشار النوبية؟
 
ـ انها كانت تبدأ من جنوب مصر حيث يتحدث بها النوبيون هناك وتمتد الى داخل السودان حتى سنار وهناك دلائل تشير الى انها كانت سائده في الخرطوم الحالىة قبل 1100 سنة فقد اكتشف «حجر» فيها يعود الى ايام مملكة علوة المسيحية التي سادت فترة في المنطقة وهذا الحجر معروض الان في متحف برلين.
 
*
ما هي علاقة اللغة النوبية في شمال السودان بسكان جبال النوبة في الغرب؟
 
ـ الاسرة اللغوية النوبية لها عدة فروع فهناك فرعان في النيل فرع يتحدثه اهل الشمال أي حلفا وما جاورها والاخر جنوب الشمال في دنقلا وفرع في منطقة جبال النوبة خاصة في شمالها الى جانب فروع في دارفور وكردفان ولكنها اخذه في الاندثار.
 
*
هل هذا مؤشر على امتداد الممالك النوبية الى تلك المناطق؟
 

كنيسة فرص والشبان الثلاثة:
 

اللوحة الجدارية "الشبان الثلاثة في الفرن المتقد" من كثدرائية فرس- والتي توجد حالياً في مدخل الصالة المسيحية بمتحف السودان القومي للآثار بالخرطوم- تجذب اهتمام كل زائر. كثيراً ما توقفت للتأمل بإعجاب في حيوية ألوانها، بخاصة الأحمر، والقوام المهيب للملاك (حوالي 7 أقدام في الارتفاع)، والوقفة الهادئة للشبان الثلاثة والزخرف المتقن لثيابهم.
 
أحاول أن أجد إجابة عن سؤال عادة ما أطرحه على نفسي: ماذا يمكن أن يكون مصدر إلهام الفنان الملون؟ استشرت الكتاب المقدس لمراجعة إلى أي مدى تتوافق تفاصيل هذه اللوحة مع نص الكتاب المقدس (Dan. ch. 3).
 
الملك نبوخد نصر "أصدر أوامره لجعل الفرن سبع مرات أشد سخانة من العادة، وأمر الأقوياء من ذوي الإيمان الراسخ في جيشه بتقييد شادراخ، ومشاخ، وابدنجو ورميهم في الفرن المتقد الحارق. تمَّ تقييدهم وهم بكامل ملابسهم، وثيابهم، وسراويلهم وغطاءات رؤوسهم ورميوا في الفرن المتقد. كان أمر الملك عاجلاً وكانت حرارة الفرن من الشدة بحيث أن الرجال الذين حملوا شادراخ، ومشاخ، وابدنجو احترقوا حتى الممات باللهيب المنبعث من النار؛ سقط الرجال الثلاثة شادراخ، ومشاخ، وابدنجو، وهم لازالوا مقيدين، في الفرن المتقد. ومشوا في قلب اللهب يمجدون الله ويشكرون الرب" (3: 19- 23 النص الإنجليزي للكتاب المقدس القدسي).

يتبع ذلك نشيد أزاريا (= مشاخ) (3: 24- 45) ونشيد الشبان الثلاثة (46- 90) واللذين وجدا فقط في النص الإغريقي.
 
نزل ملاك الرب في الفرن بالقرب من أزاريا ورفيقيه؛ دفع بلهيب النار إلى الخارج ونشر مروحة من فوقهم، في قلب الفرن، برودة مثل الريح جالبة الندى، بحيث أن النار لم تمسهم حتى أو تسبب لهم أي ألم أو خطر (19- 50).
 
ثم وجدت الفقرة التالية في كلا النصين السبتواني والعبري (الأرامي). "قفز الملك نبوخد نصر واقفاً على رجليه في دهشة. قال لمستشاريه: أو لم نرمي أولئك الرجال الثلاثة مقيدين في النار؟.. أجابوا، بالتأكيد أيها الملك. لكنه استمر، أستطيع أن أرى أربعة رجال يمشون بحرية، في قلب النار بدون أن يلحق بهم أذى. ويبدو الرابع كابن للآلهة. اقترب نبوخد نصر من فم الفرن المتقد وصاح " شارداخ، مشاخ، ابدنجو خدم الإله الأعظم، اخرجوا، تعالوا إلى هنا" ومن قلب النار خرج شارداخ ومشاخ وابدنجو... لم تخلف النار أثراً في أجسادهم؛ لم تحترق شعرة واحدة من رؤوسهم، ثيابهم لم تشيط، ولم تفح رائحة حريق (24/ 91 - 27/ 94).
 
نشاهد في لوحة فرس الجدارية بقع خلفية ملتهبة تعلو أعلى من الملاك والرجال الثلاثة. يحتمل أن يكون الاستخدام السخي للأحمر قد كان أمراً متعمداً من قبل الفنان لترجمة الفقرة "الفرن جعل أشد حرارة سبع مرات من المعتاد" في ألوان.
 
تقف الشخصيات الأربع في وسط اللوحة. يقول الكتاب المقدس (أربع مرات): "في قلب النار". إنهم في وضع اورانس مع الأذرع مرفوعة، الوضع الطبيعي للصلاة. يقول الكتاب المقدس أنهم أنشدوا نشيداً لتمجيد الرب.
 
رميوا بكامل ملابسهم. نرى في اللوحة ثلاثة رجال يرتدون ثياب متعددة: غطاء رأس، وسراويل، ورداء كهنوتي، وحزام، بناطلين وأحذية: عملياً كل الجسم مغطى باستثناء الوجه واليدين.
 
يذكر النص الأرامي الأصلي ثلاثة أنواع من الملابس، بخاصة ساربلي- بان، وفاتيشي- بان، وكاربيلات- بان، ومن ثم يضيف ولبوسي - بان (ملابسهم عموماً).
 
سمح المترجمون لأنفسهم بحرية في ترجمة تلك الكلمات الثلاث ذلك لعدم وجود فقرات مناظرة في الكتاب المقدس للمقارنة، وأيضاً لأن كل كلمة يمكن تطبيقها على عدة أثواب مختلفة بالتالي ليست محددة. استبدل المترجمون الإغريقي الكلمة (الأرامية) سارابلين بالكلمة سارابكرا. وكتب المترجمون اللاتين "برا-كا" سارابالا- احتمالاً لأنهم لم يمتلكو نظيراً لاتينياً دقيقاً للثوب الفارسي (سارابالين/سارابارا) (1).
 
لا شك أن الفنان - سواء قرأ النص العبري (وهو ما يبدو بعيد الاحتمال) أو الإغريقي (وهو أمر محتمل للغاية) عرف بالتأكيد أن الساربالين/ سارابارا كانت بمثابة نوع من البناطلين التي استخدمها البارثيون؛ بالتالي ألبس الثلاثة رجال الشبان طبقاً لذاك التقليد. وضع على رؤوسهم طاقية/عمامة لترجمة الإغريقية تيارا وفي القدمين وضع نوعاً من الأحذية تتطابق مع الإغريقية بيريكرتيمس (وهو نوع من الأحذية يرتفع حتى بطن الساق).
 
نزل الملاك إلى الفرن بالقرب من أزاريا. كان هذا هو الأول الذي أنشد للرب حين كان في النار. في اللوحة نراه يقف على اليد اليمنى للملاك وكتب اسمه أزاريا تحته.

الملاك "أبعد لهب النار إلى الخارج". في اللوحة نرى اللهيب الأحمر يرتفع عالياً في الخلفية، بعيداً عن الثلاثة رجال، منفصلين كما يمكن مشاهدته عندما تهب الريح على النار. الملاك "غطى كمروحة". لهذا السبب امتد جناحا الملاك من أقصى اللوحة إلى أقصاها وكأنما بهدف التعبير عن فعل "التغطية المروحية".
 
لم تمسسهم النار. يحتمل أن يكون ذلك قد وضح في الوقفة الهادئة للشبان الثلاثة.
 
قال الملك وهو ينظر في الفرن: "أستطيع أن أرى أربعة رجال يمشون بحرية". الواقع، لا يمكن رؤية سلسل أو حبل في اللوحة. "ويبدو الرابع كابن للآلهة". رسم الفنان الملاك بقامة مهيبة، تقريباً ضعف حجم الرجال الثلاثة. ألبس الملاك رداءً طويلاً أبيضاً مزخرفاً بأشرطة عمودية كبيرة، وعباءة مزينة بخطوط مقلمة. البياض المدهش للملاك يتناقض مع لون الكائنات الإنسانية الثلاث(2).
 
لم تحترق شعرة واحدة من رؤوسهم. الشعر الأسود للرجال الشباب الثلاثة صور وهو مرتب جيداً إلى يمين ويسار وجوههم. هل عُمل ذلك عن عمد للتعبير عما يقوله الكتاب؟ لا نرى تقصداً، لكن نأخذ في الحسبان ما هو مشاهد في اللوحة. "ثيابهم لم تشيط". في اللوحة فإن عباءات الثلاثة رجال مفتوحة من الأمام وتسمح لنا أيضاً برؤية الثياب الأخرى - رداء كهنوتي، وقميص، وحزام، وبناطلين - تحت العباءة، كلها مزخرفة بشكل شبكي مع لؤلؤ في وسط المعينات.
 
أعتقد أنه يمكنني الاستنتاج بأن الفنان الرئيس كان يعرف المخطوط وجعله مرتكزاً لرسمه متتبعاً عن قرب نص الكتاب المقدس. سواء اطلع على الكتاب المقدس بالإغريقية أو بأي لغة أخرى (احتمالاً بالنوبية) أمر لا معنى له هنا؛ المؤكد أن النص الذي اعتمد عليه كان هو النسخة الإغريقية للسبتواجنت.
 
(1)
الكتاب المقدس الكاثوليكي باللغة العربية (القرن التاسع عشر) استخدم الكلمات : سراويل (بنطلونات) للـ ساربولين، القميصات (القمصان) للـ فالتشين وأردية للـ كاربلوت. تقريباً الشئ نفسه (باستثناء سراويل) يوجد في النسخة العربية التي وضعت لجمعية الكتاب المقدس في الوقت نفسه تقريباً.
 
(2)
يقبض الملاك في يده اليمنى عصاة طويلة تنتهي بشكل صليب. يرمز ذلك إلى أن الانتصار على الشر تم عن طريق الصليب